التطبيع والسلام... هل يقع لبنان في الفخّ الذي لم ينجُ منه غيره؟

عاجل

الفئة

shadow


هادي حسين شكر 

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن "أجواء سلام" تلوح في الأفق بين لبنان والعدو الإسرائيلي، وسط تسريبات دبلوماسية ومواقف مبطنة وتصريحات متزايدة عن "فرص اقتصادية مشتركة"، و"حلول واقعية"، و"ضرورة كسر الجمود التاريخي". فهل بات لبنان على أعتاب مرحلة تطبيع؟ وهل نحن أمام لحظة مفصلية شبيهة بتلك التي وقفت عندها مصر عام 1979 حين وقّعت معاهدة سلام مع إسرائيل؟ وإن حصل هذا، هل يستفيد لبنان وشعبه، أم يُضاف إلى قائمة الدول التي سلّمت الورقة الفلسطينية مقابل وعود لم تتحقق قط؟
لان مصر هي التجربة الأقرب والأكثر دلالة، عندما وقّعت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل قبل أكثر من ٤٥ عاماً، قيل إن العرب دخلوا عهدًا جديدًا.
 وُعد الشعب المصري آنذاك بالازدهار، بالمساعدات، بالاستقرار، وبخروج من زمن الحروب إلى زمن التنمية. والنتيجة؟
نعم، استعادت مصر سيناء، وفتحت أبواب المساعدات الأميركية، وصار لها مكانة "خاصة" في علاقاتها مع الغرب، لكنها دفعت في المقابل أثماناً باهظة:
أولاً، عُزلت مصر عن محيطها العربي لسنوات، وطُردت من جامعة الدول العربية.
ثانيًا، اغتيل رئيسها أنور السادات على يد من اعتبروا السلام خيانة دموية.
وثالثًا، لم يشعر المواطن المصري بأي تحسين حقيقي في حياته اليومية، بل استمرت مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم حتى اليوم.

وربما الأهم من كل ذلك، أن القضية الفلسطينية التي كانت يومًا قضية كل بيت مصري تراجعت إلى الخلف، وانكفأ الشارع المصري عن لعب دور الطليعة في مواجهة الاحتلال، بينما ظلّ العدو الإسرائيلي على ما هو عليه: كيان استيطاني عنصري، يرفض السلام الحقيقي، ويواصل انتهاكاته اليومية في القدس وغزة والضفة.
في لبنان القصة مختلفة ولكن الخطر واحد لبنان، بخلاف مصر.
لبنان لا يزال الضحية الدائمة لاعتداءات هذا الكيان، من الاجتياح عام 1982، إلى العدوان عام 2006، الى حرب 2024، وصولًا إلى والاغتيالات الخروقات اليومية للسيادة البرية والجوية في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت وصولاً الى البقاع. ومن هنا، فإن أي حديث عن "سلام" بين لبنان وإسرائيل، هو بمثابة تزوير للواقع وخيانة لذاكرة الشهداء والمقاومين والمظلومين.
اليوم، نحن أمام محاولة لتطويع الواقع اللبناني وجرّه نحو تطبيع تدريجي، يبدأ بالاقتصاد وقد ينتهي بتفكيك الخطاب الوطني والمقاوم.
البعض يستاءل هل استفاد الشعب المصري من السلام؟
لمن يتساءل: هل يمكن للبنان أن يستفيد من معاهدة سلام كما استفادت مصر؟ 
الجواب بسيط وصادم: حتى مصر لم تستفد.
صحيح أن المساعدات الأميركية تدفقت على القاهرة، لكن أين ذهبت؟ هل تحوّلت إلى مدارس ومستشفيات وفرص عمل؟ أم إلى طبقة سياسية حاكمة لا تزال تسيطر على مقدّرات البلاد؟
هل تخلّت إسرائيل عن أطماعها؟ أم أنها استبدلت الحرب العسكرية بحرب اقتصادية واستخباراتية ناعمة؟
هل تحققت العدالة للفلسطينيين؟ أم أن السلام شكّل غطاءً لمزيد من التهويد والاستيطان؟
ما جرى في مصر هو سلام بين أنظمة وليس بين شعوب. فحتى اليوم، ما زال الشارع المصري ومعه الشارع العربي يرفض التطبيع، ويقاطع أي نشاط ثقافي أو اقتصادي مع إسرائيل، لأن الشعوب تدرك ما لا تدركه الأنظمة: أن العدو لا يُهادَن بل يُقاوَم.
بالرغم من الخراب العربي العام، بقي لبنان، رغم جراحه العميقة، آخر موقع للتطبيع. لا لأنه يحب الحرب، بل لأنه لم يخترها يومًا، بل فُرضت عليه، فدافع وصمد وانتصر.
لبنان هو البلد الذي كسر أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر".
هو من حرّر أرضه بسواعد ابطاله.
هو الذي يمتلك مقاومة صادقة دفعت دماء قادتها ومجاهديها فداءً للكرامة والسيادة.
من هنا، فإن أي حديث عن "تسوية" مع إسرائيل، أو "سلام اقتصادي"، أو "شراكة إقليمية جديدة"، يجب أن يُواجَه بسؤال بسيط:
هل غيّرت إسرائيل من طبيعتها؟ هل اعترفت بحقوق الفلسطينيين؟ هل توقّفت عن تهديد لبنان؟
إذا كان الجواب لا وهو كذلك فإن كل حديث عن تطبيع ليس إلا قنبلة موقوتة تهدف إلى إسقاط الحصن الأخير من الحصون العربية.
ما يجب أن يعرفه العدو، ويعرفه كل من يروّج للتطبيع أو يهمس به في صالونات السياسة والمال، هو أن الشعب اللبناني المقاوم الذي قدّم الآلاف من الشهداء، والذي لم يخضع للحصار ولا للعدوان ولا للفتن لن يسمح بأي شكل من أشكال التطبيع مع كيان غاصب.
لن يُسمح لهذا الكيان أن يدخل إلى لبنان لا بجيشه ولا بأمواله ولا بثقافته.
ولن يتحقق في لبنان ذلك "الشرق الأوسط الجديد" الذي تسعى إليه إسرائيل، حيث تتحول الشعوب إلى عبيد للاقتصاد، وتُنسى القضية، وتُفرض علينا المعادلات بالترهيب أو الإغراء.
نعم، قد نعيش في زمن صعب، ولكننا لن نعيش في ظل الظلم والجور.
قد تتعب المقاومة، لكنها لا تنكسر... لأنها ولدت من رحم الشعب، وستبقى بصوته، وبروحه، وبدمه، سيفًا مشرعًا في وجه كل خيانة.

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة